ابن أبي الحديد

309

شرح نهج البلاغة

بما عابوا عليهم فليسلمهم الملك إليهما ، ليرداهم ( 1 ) إلى بلادهم وقومهم . فغضب الملك وقال : لا ها الله إذا لا أسلمهم إليهما ، ولا أخفر ( 2 ) قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على سواي ، حتى أدعوهم وأسألهم عما يقول هذان في أمرهم ، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم ، وأحسنت جوارهم ما جاوروني . قالت : ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم ، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ، ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول والله ما علمناه ، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وآله كائنا [ في ذلك ] ( 3 ) ما هو كائن ، فلما جاءوه ، وقد دعا النجاشي أساقفته ، فنشروا مصاحفهم حوله ، سألهم فقال لهم : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل ؟ قالت أم سلمة : وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له : أيها الملك ، إنا كنا قوما في جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسئ الجوار ، ويأكل القوى منا الضعيف . فكنا على ذلك حتى بعث الله عز وجل علينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا عليه نحن وآباؤنا من دونه ، من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن التجاور ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن سائر الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنة ، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا ، وبالصلاة وبالزكاة والصيام .

--> ( 1 ) السيرة : ( فليرداهم ) . ( 2 ) في السيرة : ( ولا يكاد قوم ) . ( 3 ) من السيرة